الخميس, 03 آب/أغسطس 2017 02:15

إلغاء "308".. دفاع عن الضحية والمجتمع

كتبه  ماجد توبة

بكل المقاييس، أحسن مجلس الأمة بغرفتيه النواب والأعيان ومعه الحكومة، في الغاء المادة 308 من قانون العقوبات المعدل، التي كانت تتيح للمغتصب الزواج بالضحية المغتصبة، حيث تم بذلك إغلاق باب الإفلات من العقاب للجاني، خاصة أن أغلب الحالات التي كان يسري عليها هذا "الامتياز" غير الإنساني والمخالف للفطرة البشرية هي لحالات اغتصاب الفتاة القاصر، بين 15 – 18 سنة، حيث كانت تتحول المغتصبة من ضحية جريمة مباشرة حتى لو بالتغرير لطفلة أحيانا، إلى مغتصبة بالقانون وفي كل لحظة باسم عقد الزواج من الجاني. 
بمثل هذه التشريعات التقدمية والتي تؤسس لدولة مدنية عمادها الأساس القانون وعدم التهاون مع الجريمة والمجرم، خاصة في قضايا خطرة كالاغتصاب، يمكن للمجتمع التقدم وحفظ الحقوق الدستورية والطبيعية لكل المواطنين، وتصب في المحصلة أيضا بمكافحة مثل هذا النوع من الجرائم والحد من انتشارها، مع الإيمان طبعا أن مثل هذه الجرائم ستبقى قائمة ما بقيت الحياة وفي كل المجتمعات والأزمان، لكن مثل هذه التشريعات وإغلاق باب الإفلات من العقاب يحد من أعدادها ونسبة انتشارها بلا شك. 
نعلم أن ثمة وجهات نظر أخرى في المجتمع تعارض مثل هذا الإلغاء لهذه المادة مع تأييدها لحصرها ببعض الحالات، انطلاقا من أن زواج الجاني من الضحية يصب بصالح المجني عليها، ويمنع من قتلها من قبل الأهل وفق بعض الأعراف والتقاليد الاجتماعية البالية، ويُمكّن الضحية من تجاوز الوصمة الاجتماعية السلبية لها والتي قد تلاحقها لآخر العمر، ويمنع من زواجها مستقبلا. وينطلق أصحاب وجهة النظر هذه من ضرورة مراعاة التشريع التقدمي للوضع الثقافي والاجتماعي للمجتمع ومدى تقدمه، وهم يرون أن المجتمع الأردني بوضعه الحالي لا يساعد في هضم مثل هذا التعديل، وأنه سيترك الباب مفتوحا لزيادة قضايا القتل بداعي الشرف لمعتدى عليهن أو المغرر بهن، ليتهرب الأهل من الوصمة الاجتماعية السلبية.
رغم تفهم منطلقات أصحاب وجهات النظر هذه، المخالفين لإلغاء "308 عقوبات"، فإن حججهم للمطالبة باستمرار العمل بها، يمكن تفنيدها والرد عليها. 
فمن حيث المبدأ، وبحسب روح كل التشريعات السماوية والأرضية، فإن مرتكب الجرم بحق الأفراد الآخرين أو المجتمع يجب أن يدفع ثمن جريمته وانتهاكه للقانون، وإلّا تحول المجتمع، قديمه وحديثه، إلى غابة يأكل فيها القوي الضعيف والقادر المحتاج والغني الفقير، فكيف الأمر بجريمة تعد من الجرائم الكبرى في كل قوانين الأرض والسماء، وهي الاغتصاب؟! 
الأمر الثاني أنه ليس صحيحاً أن وقف باب تزويج المغتصب لضحيته للتهرب من عقوبة الجريمة، يحمي الفتيات الضحايا من القتل، فالواقع يقول لنا إن المستعدين للقتل بداعي الشرف لم يكونوا يرضون، ولن يرضوا، بقصة زواج الضحية من الجاني كمخرج لـ"غسل العار" و"تبْييض شرفهم"، بل ولا حتى قتل الجاني من قبلهم يمكن أن "يبيّض الشرف" لديهم، بل فقط قتل الضحية (المرأة). 
كما أن تزويج الضحية المغتصبة، القاصر تحديدا، للمجرم يفاقم مأساة الفتاة الطفلة، فبعد أن وقعت ضحية جريمة الاغتصاب البشعة، فهي ستقع ضحية زواج القاصرة، بكل ما يحمله ذلك من أخطار جسمية ونفسية واجتماعية على الفتاة وعلى أطفالها المقبلين، وهي جريمة (تزويج القاصرين) لا تقل برأيي خطورة عن جريمة الاغتصاب إن لم تكن أشمل وأوسع ضررا، رغم تقنين السماح بها بالقانون، بدعوى أنها مقبولة اجتماعيا وثقافيا بمجتمعنا! 
وأخيرا، لا أعتقد أن من المنصف والمقبول أن يتهرّب المجتمع والدولة من مسؤوليتهما بحماية المرأة، والقاصر تحديدا، بالسماح بتزويج المغتصبة للمجرم، بما يمكنه من الإفلات من العقاب ويفاقم مأساة الفتاة، بدلا من توفير الأدوات القانونية والاجتماعية والتربوية والشرعية بصورة مؤسسية، لضحايا الاغتصاب وعائلاتهم، لتمكينهم من مواجهة جرحهم ومأساتهم التي لا ذنب لهم فيها.

أضف تعليق


كود امني
تحديث