20.1 C
عمّان
السبت, 19 سبتمبر 2026, 5:38
صحيفة الأمم اليومية الشاملة

من ينظّم المستقبل؟ .. مظلة أردنية للملكية الفكرية والذكاء الاصطناعي

* نحو مظلة أردنية للملكية الفكرية والذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة

– من المحامي أسامة موسى البيطار – ثمة سؤال سيصبح خلال سنوات قليلة واحداً من أهم أسئلة الدولة الحديثة: من هي الجهة التي تدير علاقة الدولة بالمستقبل؟

ليس المقصود بالمستقبل هنا التنبؤ بما سيحدث، وإنما امتلاك القدرة المؤسسية على التعامل مع تحولات تتقدم أحياناً بسرعة أكبر من قدرة التشريع والإدارة على ملاحقتها.

فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد برنامج متطور، والملكية الفكرية لم تعد مجرد تسجيل علامة تجارية أو حماية مصنف، والبيانات لم تعد مسألة خصوصية فحسب، كما أن البلوك تشين والعقود الذكية والأصول الرقمية لم تعد موضوعات تقنية منفصلة. نحن أمام اقتصاد جديد تتداخل فيه التكنولوجيا بالقانون، والقانون بالاستثمار، والاستثمار بالمعرفة.

وهنا تكمن الإشكالية: التكنولوجيا الحديثة لا تعترف بالحدود التي رسمناها بين المؤسسات والاختصاصات.

لنتصور شركة أردنية ناشئة تطور نموذجاً للذكاء الاصطناعي، تستخدم في تدريبه كميات ضخمة من البيانات والمصنفات، ثم ينتج النموذج برمجيات أو تصاميم أو ابتكارات جديدة، وتسعى الشركة بعد ذلك إلى حماية تقنيتها وجذب استثمار أجنبي وتسويق منتجاتها عالمياً.

فمن يتولى هذا الملف؟

هل هو ملف تكنولوجيا؟ أم ملكية فكرية؟ أم حماية بيانات؟ أم استثمار؟ أم منافسة؟ أم أمن سيبراني؟

الحقيقة أنه كل ذلك في الوقت ذاته.

وهذا ما يجعل البنية المؤسسية التقليدية بحاجة إلى إعادة نظر؛ لأن التحدي لم يعد في إصدار قانون جديد كلما ظهرت تقنية جديدة، بل في وجود جهة تمتلك القدرة على فهم العلاقة بين هذه الملفات وصياغة سياسة وطنية متكاملة تجاهها.

الملكية الفكرية تغيّرت

الملكية الفكرية اليوم ليست ملفاً قانونياً هامشياً، وإنما جزء من البنية الاقتصادية للدولة. فجزء كبير من قيمة الشركات الحديثة لم يعد موجوداً في المباني والآلات، وإنما في العلامات التجارية والبرمجيات وبراءات الاختراع والخوارزميات والبيانات والأسرار التجارية وغيرها من الأصول غير الملموسة.

ولذلك تغير السؤال من: كيف نحمي الاختراع بعد ظهوره؟ إلى: كيف نبني بيئة تنتج المعرفة وتحميها ثم تحولها إلى قيمة اقتصادية؟

وهذا التحول مهم للأردن تحديداً؛ فالدول التي لا تقوم ميزتها النسبية على وفرة الموارد الطبيعية يفترض أن تراهن بصورة أكبر على الإنسان والمعرفة والابتكار.

لدينا جامعات، وكفاءات تقنية وقانونية وطبية وهندسية، وشركات ناشئة وقدرات بشرية جيدة. لكن إنتاج المعرفة وحده لا يكفي؛ فما لم نستطع تحويل البحث إلى براءة، والبراءة إلى استثمار، والابتكار إلى شركة، والشركة إلى منتج قادر على المنافسة عالمياً، فإن جزءاً مهماً من القيمة الاقتصادية للمعرفة سيضيع.

ثم جاء الذكاء الاصطناعي

الذكاء الاصطناعي جعل المسألة أكثر تعقيداً.

فالقواعد التقليدية للملكية الفكرية بُنيت أساساً حول الإنسان: إنسان يؤلف، وإنسان يخترع، وشخص يملك الحق.

لكن ماذا يحدث عندما يشارك نظام ذكاء اصطناعي في إنتاج العمل؟ ومن يملك الناتج؟ وماذا عن ملايين المصنفات التي تستخدم في تدريب النماذج؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا أنتج النظام محتوى ينتهك حقوق الغير: المطور، أم الشركة، أم المستخدم؟

هذه لم تعد أسئلة أكاديمية، بل أصبحت جزءاً من الصراع العالمي حول من يملك المعرفة ومن يضع قواعد اقتصادها.

ومن الخطأ لذلك التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره ملفاً تقنياً فقط؛ فهو ملف اقتصادي وقانوني وسيادي في الوقت ذاته.

هل نحتاج وزارة جديدة؟

من هنا أعتقد أن الأردن يحتاج إلى نقاش جدي حول إيجاد مظلة مؤسسية وطنية تجمع الملكية الفكرية والذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة.

قد تكون وزارة متخصصة، وقد تكون هيئة وطنية مستقلة، وقد يكون الحل بإعادة هندسة مؤسسة قائمة ومنحها الاختصاصات والقدرات اللازمة. الاسم والشكل الإداري ليسا جوهر الفكرة.

المهم أن تكون هناك جهة داخل الدولة تنظر إلى هذه الملفات باعتبارها منظومة واحدة؛ تراقب التحولات العالمية، وتقترح السياسات والتشريعات، وتدرس آثار التقنيات الجديدة قبل تحولها إلى مشكلات، وتربط الجامعات والبحث العلمي بالشركات والاستثمار، وتساعد على تحويل الملكية الفكرية الأردنية إلى أصول اقتصادية قابلة للاستثمار والتصدير.

أي أننا لا نحتاج بالضرورة إلى مؤسسة أكبر، بل إلى عقل مؤسسي أسرع.

السيادة لم تعد أرضاً وحدوداً فقط

في القرن الحادي والعشرين أضيف إلى مفهوم السيادة بعد جديد: السيادة المعرفية والتكنولوجية.

من يملك البيانات؟ من يملك الخوارزمية؟ أين تسجل البراءة؟ من يضع قواعد استخدام الذكاء الاصطناعي؟ ومن يملك التكنولوجيا التي تعتمد عليها الدولة والاقتصاد؟

الدول التي لا تشارك في صناعة قواعد الاقتصاد الرقمي قد تجد نفسها لاحقاً تعمل وفق قواعد صاغها الآخرون.

والأردن ليس مطالباً بمنافسة الدول الكبرى في حجم إنفاقها على الذكاء الاصطناعي، لكنه يستطيع المنافسة في مساحة أخرى شديدة الأهمية: بناء بيئة قانونية وتنظيمية متقدمة للابتكار والتكنولوجيا والملكية الفكرية.

وهنا يمكن أن تتحول محدودية الحجم إلى ميزة؛ فالدولة الأصغر تستطيع، إذا أحسنت تصميم مؤسساتها، أن تكون أسرع في التشريع والتجريب التنظيمي واتخاذ القرار.

والسؤال الحقيقي…

لا أحد يعرف بدقة كيف ستبدو التكنولوجيا بعد عشر سنوات، وربما تظهر تقنيات لم نضع لها اسماً بعد.

لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس: ما القانون الذي نحتاجه للذكاء الاصطناعي؟

بل هل نملك مؤسسة قادرة على التعامل مع التكنولوجيا التي لم تظهر بعد؟

الدولة الذكية ليست التي تصدر قانوناً لكل تقنية، وإنما التي تبني مؤسسات تستطيع فهم الجديد بسرعة، وتقدير مخاطره وفرصه، ثم اتخاذ القرار في الوقت المناسب.

ولهذا فإن الحديث عن مظلة وطنية للملكية الفكرية والذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة ليس حديثاً عن إضافة مؤسسة حكومية جديدة بقدر ما هو حديث عن إعادة تصميم قدرة الدولة على التعامل مع المستقبل.

فالمستقبل لن ينتظر اكتمال قوانيننا.

والسؤال الذي يستحق أن نبدأ به اليوم هو:

هل نريد أن نبقى مستهلكين للتكنولوجيا وقواعدها، أم نريد أن نكون شركاء في صناعة الاثنين؟