تراجع الجرائم 4.01% في الأردن .. استقرار أمني يقابله تصاعد رقمي مقلق
شارك
– يُظهر التقرير الإحصائي الجنائي لعام 2025 الصادر عن الأمن العام الخميس، تراجعًا في إجمالي الجرائم في الأردن بنسبة 4.01% مقارنة بعام 2024، مع انخفاض في الجرائم الواقعة على الإنسان والأموال، مقابل ارتفاع محدود في بعض الأنماط مثل الاحتيال والقتل غير المقصود.
الخبير الأمني الدكتور بشير الدعجة أكد أن هذا الانخفاض في نسبة الجرائم “ليس رقمًا عابرًا”، بل يعكس فعليًا منع مئات وربما آلاف الجرائم قبل وقوعها، في حين برزت زيادة لافتة في الجرائم الإلكترونية والاحتيال المالي بنسب وصلت إلى 15%–25%، وهو ما يتماشى، بحسب تعبيره، مع التحولات العالمية في أنماط الجريمة.
ويرى الدعجة في حديثه لـ عمون، أن ارتفاع نسبة كشف الجرائم إلى أكثر من 90% في العديد من الأنماط يمثل مؤشرًا حاسمًا على كفاءة استخبارية متقدمة، تتجاوز الجهد الميداني التقليدي، مشيرًا إلى أن هذه المعطيات تعكس نجاحًا في تقليص الجريمة “المرئية” في الشارع، مقابل بروز جريمة “غير مرئية” في الفضاء الرقمي.
ويتابع، ان ذلك مرحلة انتقالية طبيعية في تطور الظاهرة الإجرامية، لافتّا إلى أن المقارنة لثلاث سنوات متتالية تؤكد أننا أمام اتجاه مستمر وليس حالة طارئة، خاصة مع تحسن معدل الجريمة للفرد رغم ثبات الرقم الكلي نسبيًا.
وشدد على أن ارتفاع نسب الكشف يرفع تكلفة ارتكاب الجريمة على الجاني، ليس فقط من الناحية المادية، بل من حيث احتمالية القبض وسرعة الوصول وقوة الأدلة وطول العقوبة، ما يعزز من فعالية الردع ويجعل الجريمة خيارًا خاسرًا في حسابات مرتكبيها.
ارتفاع نسبة الكشف يشكل قاعدة صلبة
وعن أبرز المؤشرات التي يمكن البناء عليها، أوضح الدعجة أن ارتفاع نسبة الكشف إلى حدود 90% يشكل قاعدة صلبة، إلى جانب استقرار الجرائم الخطرة عند مستويات منخفضة قياسًا بعدد السكان، وهو ما يعكس قوة الردع العام.
كما أشار إلى تركز نسبة كبيرة من الجرائم في نطاقات جغرافية محددة، ما يفتح المجال لتوجيه الجهد الأمني نحو “البؤر الساخنة” بدل توزيعه بشكل عام.
مساران متوازيان
ويبيّن الدعجة أن المشهد يعكس مسارين متوازيين؛ الأول يتمثل في تطور واضح في الأداء الأمني، يظهر من خلال ارتفاع نسب الضبط وتسريع الاستجابة والاعتماد المتزايد على الأدلة الرقمية، فيما يتمثل الثاني في تحول نوعي في طبيعة الجريمة، إذ تتزايد الجرائم التي لا تتطلب احتكاكًا مباشرًا.
ويؤكد أن هذا التحول يعني انتقال “ساحة الجريمة” إلى الفضاء الرقمي، مشيرًا إلى أن قدرة الأجهزة الأمنية على ملاحقة هذا التغير هي المعيار الحقيقي للنجاح، وليس مجرد انخفاض الأرقام.
وفي تفسيره للتباين بين انخفاض بعض الجرائم وارتفاع أخرى، أوضح أن الأمر يخضع لقاعدة معروفة في علم الجريمة، مفادها أن “التضييق على نمط معين يدفع الجريمة للتحول إلى أنماط أقل كلفة وأكثر أمانًا”.
وأشار الدعجة إلى انخفاض السرقات التقليدية مقابل ارتفاع جرائم الاحتيال والابتزاز الإلكتروني، معتبرًا أن ذلك لا يعكس زيادة في الميل الإجرامي بقدر ما يعكس قدرة أعلى على التكيف.
كما نبه إلى أن جزءًا من ارتفاع الأرقام يعود إلى تحسن آليات الرصد وزيادة وعي المواطنين بالإبلاغ، وهو ما يُعد بحد ذاته مؤشرًا إيجابيًا.
توقعات العام الحالي
وفيما يتعلق بتوقعاته للعام الحالي 2026، رجّح الدعجة استمرار انخفاض الجرائم التقليدية بنسبة تتراوح بين 2% و5%، مقابل ارتفاع الجرائم الإلكترونية بما قد يتجاوز 20%.
واوضح أن مؤشرات الثلث الأول من العام تعكس زيادة في البلاغات الإلكترونية وتحسنًا في نسب الكشف رغم تعقيد الجرائم، ما يدل على تطور تقني واضح. وخلص إلى أن “الأمن في 2026 لم يعد يقتصر على ضبط الجريمة، بل بات يرتكز على إدارة بيئة رقمية آمنة”، مشيرًا إلى أن الدمج بين العمل الميداني والتقني يدفع نحو نموذج أمني استباقي قادر على احتواء الجريمة قبل وقوعها.
وتوقع الدعجة، انخفاض تراكمي في الجرائم التقليدية قد يصل إلى 5%–8% في نهاية العام الحالي، مقابل ارتفاع الجرائم الإلكترونية بين 25% و35%، مع احتمال ارتفاع نسب الكشف فيها إلى حدود 85%–90%.
الأداء الأمني الفاعل فرض حالة من القلق والخوف لدى مرتكبي الجرائم
وفيما يخص الجانب الاجتماعي يعزو البروفسور في علم الاجتماع حسين الخزاعي الانخفاض المسجل في عدد الجرائم ونوعيتها إلى سرعة الإجراءات التي تنفذها أجهزة الأمن العام بمختلف تشكيلاتها في محاربة الجريمة وكشفها.
ويقول الخزاعي لـ عمون، إنّ هذا الأداء الأمني الفاعل يفرض حالة من القلق والخوف لدى مرتكبي الجرائم أو حتى لدى من تسوّل له نفسه الإقدام على أي فعل مخالف للقانون.
ويضيف الخزاعي أن جرائم الاحتيال تعد الأكثر إلحاحًا من حيث الحاجة إلى التوعية المجتمعية، إذ يتسلل الاحتيال عبر معاملات البيع والشراء وتقديم الخدمات داخل المجتمع، ما يجعل جميع الأفراد عرضة له دون استثناء.
ويشير إلى أنّ هذه المعطيات تفرض قراءة معمقة للجرائم الواقعة على الإدارة العامة، مثل الرشوة والاختلاس واستغلال الوظيفة والاعتداء على الموظفين، مع ضرورة تعزيز وعي المجتمع بقيمة هذه المؤسسات، وعدم استغلالها أو الاتكاء عليها بشكل غير مشروع، إلى جانب الالتزام الصارم بالأنظمة والقوانين النافذة، وهو ما يتطلب، بحسب قوله، تشديد الرقابة وتعزيز أدوات المساءلة.
ويرى الخزاعي أن الوضع الاقتصادي لا يمكن اعتباره سببًا أو مبررًا لارتكاب الجرائم، موضحًا أنه لو كان كذلك لكان المجتمع بأسره منخرطًا في السلوك الإجرامي، لافتًا إلى أن العامل الحاسم يتمثل في البيئة الاجتماعية ورفقاء السوء، إذ أن نسبة تكرار الجريمة في الأردن بلغت 39%، وهي نسبة مقلقة تعكس خطورة فئة المجرمين المكررين، محذرًا من دورهم المحوري في إعادة إنتاج الجريمة داخل المجتمع.
ويؤكد على أن الحملات التوعوية الأمنية تُحدث أثرًا ملموسًا في الحد من الجريمة، مؤكدًا أن السلوك الإجرامي مرفوض مجتمعيًا، ويتعارض بشكل صريح مع الدين والعادات والتقاليد والقيم السائدة.
ويدعو الخزاعي إلى تكثيف الجهود التربوية والتوعوية الموجهة للأطفال، مع التركيز على الجرائم المخلة بالآداب مثل الزنا وهتك العرض والإجهاض، لافتًا إلى وجود ارتفاع في هذه الأنماط، ما يستدعي، وفق تعبيره، تعزيز الوعي المجتمعي والتربوي للحد منها بشكل أكثر فاعلية.